ابن قيم الجوزية
60
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
الثامن : أن المأمور محبوب إلى الرب والمنهي مكروه له وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى أما من عبده فالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانتصار وغير ذلك وأما من نفسه فبالمغفرة للتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه وإذا كان إنما قدر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه علم أن محبوبه هو الغاية ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مراداً له إرادة الوسائل وأما المحبوب فمراده إرادة المقاصد كما تقدم فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره وهو عبادته وحده كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات : 56 ) وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلاً لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه والموالاة فيه والمعاداة فيه ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من المكروه له ما يكون سبباً لحصولها . التاسع : إن ترك المحظور لا يكون قربة ما لم يقارنه فعل المأمور فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه الله عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان وكذلك المؤمن لا يكون تركه المحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه لله فافتقر ترك المنهيات بكونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور ولو افتقر عليه لم يقبل الله طاعة من عصاه أبداً وهذا من أبطل الباطل . العاشر : إن المنهي عنه مطلوب إعدامه والمأمور مطلوب إيجاده والمراد إيجاد هذا وإعدام ذاك فإذا قدر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خير من عدمهما فإنه إذا عدم المأمور لم ينفع عدم المحظور وإذا وجد المأمور فقد يستعان به على دفع المحظور أو دفع أثره فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض .